هل باتت اتفاقية الهجرة الأوروبية التركية على مشارف الانهيار؟

أحيانا يكونون بالعشرات، وأحيانا أخرى بالمئات. تستقبل الجزر اليونانية شرق بحر إيجه، بشكل شبه يومي، مهاجرين يسعون للبحث عن حياة أفضل. يأتون على متن قوارب متهالكة تخرج من الساحل الغربي لتركيا وتعبر بحر إيجه للوصول إلى الجزر اليونانية مثل لبسوس، ساموس أو خيوس، التي تعتبر جميعها بوابات للولوج إلى عالم الاتحاد الأوروبي.


وتجنبا لمعضلة الهجرة غير القانونية، سبق أن أقرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ورؤساء دول وحكومات الاتحاد الأوروبي الآخرون مع رئيس الحكومة التركية آنذاك، أحمد داود أوغلو، ما يسمى بالاتفاقية الأوروبية التركية، والتي تنص، ضمن بنود أخرى، على أن جميع المهاجرين الذين يصلون بصورة غير قانونية إلى الجزر اليونانية المواجهة للسواحل التركية، تتمّ إعادتهم إلى تركيا.
وفي حالة السوريين بالتحديد، فنظير كل لاجئ من تلك الدولة تتم إعادته إلى الأراضي التركية، سيتم نقل أحد طالبي اللجوء من المقيمين في تركيا إلى أراضي الاتحاد الأوروبي.


وقالت ميركل في ذلك الوقت “أولئك الذين يسلكون هذا المسار الخطير لا يخاطرون بحياتهم فحسب، بل يفتقرون أيضا إلى فرص النجاح”.
وتعد اتفاقية إعادة القبول المبرمة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا إحدى الركائز الأساسية لسياسة الهجرة الأوروبية، وهي الركيزة التي وصفتها مؤخرا رئيسة الاتحاد الأوروبي، أورزولا فون دير لين، بأنها “مهمة ومعقدة”.
تهديد تركي


بعد مرور ثلاث سنوات ونصف السنة على تنفيذ الاتفاق، تهدد تركيا بتعليق قبول المهاجرين الذين يصلون إلى اليونان من شواطئها. فهل هذه هي نهاية الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي وتركيا؟
في البداية، أصبح الاتفاق ساري المفعول وهدأ إلى حدّ ما الوضع في الجزر اليونانية. ولكن منذ شهر أبريل، عادت أعداد الوافدين من البحر إلى الجزر اليونانية للزيادة مرة أخرى. ووفقا لمكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين، وصل أكثر من 8000 لاجئ إلى الجزر في شهر أغسطس الماضي، بينما لم يكن هناك سوى 3200 لاجئ فقط في العام السابق.
ويعيش في ما يسمى بالنقاط الساخنة، وفقا لبيانات المراكز المثبتة لتسجيل اللاجئين، أكثر من 25000 شخص، منهم حوالي 4200 من القاصرين الذين يسافرون من دون مرافق بالغ.


وتقدر الطاقة الاستيعابية لمراكز إيواء اللاجئين في جزر لبسوس وخيوس وليروس وكوس بـ6300 شخص. وقد أقيمت حولها معسكرات ميدان يعيش فيها اللاجئون في مخيمات أو تحت سواتر بلاستيكية.
ولم تنجح حتى الآن، جميع محاولات تهدئة الوضع. ففي عام 2017، حاولت حكومة اليسار الراديكالي بقيادة أليكسيس تسيبراس، التي حل محلها حزب الديمقراطية الجديدة المحافظ في يوليو الماضي، التخلص من المخيمات بنقل عدة آلاف من المهاجرين إلى القارة.


ومع ذلك، فمن وجهة نظر المفوضية الأوروبية، إن معالجة طلبات اللجوء وترحيل الأشخاص الذين لا يحق لهم الحصول عليه تستغرق الكثير من الوقت. وقد تعللت حكومة تسيبراس بنقص الموظفين. من ناحية أخرى، فإن الخبراء الذين أرسلهم الاتحاد الأوروبي إلى “النقاط الساخنة” اليونانية لتسريع إجراءات اللجوء اضطروا إلى المغادرة بسبب ظروف العمل السيئة.
يشعر أردوغان بأن أوروبا تركته وشأنه، وشكا مرارا وتكرارا من أن الاتحاد الأوروبي لا يدفع الأموال الموعودة للتعامل مع التدفق الهائل للاجئين


وقد تعهدت الحكومة المحافظة الجديدة برئاسة رئيس الوزراء كيرياكوس ميتسوتاكيس بإجراء تحسينات وادّعت أن الحكومة السابقة، رفضت لأسباب أيديولوجية، إعادة العديد من اللاجئين إلى تركيا.
ووفقا لمفوضية الاتحاد الأوروبي، لم تتم إعادة سوى 2400 سوري إلى تركيا بموجب الاتفاق حتى مارس 2019. علاوة على ذلك، استقبلت دول الاتحاد الأوروبي مباشرة من تركيا أكثر من 20000 سوري يحتاجون إلى حماية دولية.


وتجدر الإشارة إلى أنه منذ اندلاع الحرب في سوريا عام 2011، وفرت تركيا مأوى لأكثر من ثلاثة ملايين و600 ألف لاجئ سوري من البلد المجاور، وذلك أكثر من أي بلد آخر في العالم.
وبسبب الوضع الاقتصادي السيء في البلاد، تزيد تركيا من الضغط على اللاجئين الذين رحب بهم الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في ذلك الوقت بموجب صيغة “الضيوف”.


ولكن أعلنت حكومة إسطنبول أنها ستطرد اللاجئين السوريين المسجلين رسميا في محافظات أخرى من العاصمة التركية. ويعني التخلي عن هذه الممارسة التي سمح بها لسنوات طرح مشاكل وجودية خطيرة.
من جانبه يحاول اردوغان تعديل سياسته الخارجية من أجل تعويض فقده لتأييد أصوات كثيرة من خلال استرجاع رضا الشعب عن أدائه.


وبناء عليه، هدد أردوغان الاتحاد الأوروبي مؤخرا بفتح حدوده أمام اللاجئين في حالة عدم تلقي تركيا المزيد من المساعدات المالية، بحجة أن بلاده ليست في وضع يسمح لها بتحمل عبء الهجرة وحدها.
يشعر أردوغان بأن أوروبا تركته وشأنه، وشكا مرارا وتكرارا من أن الاتحاد الأوروبي لا يدفع الأموال الموعودة للتعامل مع التدفق الهائل للاجئين. وبالفعل، قد تتعرض تركيا للتهديد من قبل موجة جديدة من اللاجئين، أخذا في الاعتبار أنه في الأسابيع الأخيرة، اشتد القتال حول آخر معقل للمتمردين في سوريا، بمحافظة إدلب، الواقعة على الحدود مع تركيا.
الموقف الأوروبي


معالجة طلبات اللجوء وترحيل الأشخاص الذين لا يحق لهم الحصول عليه تستغرق الكثير من الوقت
معالجة طلبات اللجوء وترحيل الأشخاص الذين لا يحق لهم الحصول عليه تستغرق الكثير من الوقت
من جانبه لا يرفض الاتحاد الأوروبي مساعدة الحكومة التركية. فقد وعد المجتمع الدولي حكومة أنقرة بمبلغ ستة مليارات يورو ما يعادل ستة مليارات و612 مليون دولار خلال الفترة بين 2016 و2019، وهي أموال ستُستخدم لرعاية شؤون اللاجئين.


وأعلنت مفوضية الاتحاد الأوروبي مؤخرا أن ثلاثة مليارات ونصف مليون يورو قد تم تخصيصها بالفعل وإقرارها، صرف منها بالفعل ملياران و400 مليون يورو على أكثر من 80 مشروعا.
ومع تهديدات أنقرة وتكدس مراكز إيواء اللاجئين وعدم إعادة أي لاجئ إلى تركيا، يثار تساؤل: هل بات الاتفاق التركي الأوروبي على مشارف الانهيار؟


أجابت مفوضية الاتحاد الأوروبي على هذه الأسئلة بالجدية المعتادة “نحن نعتقد أنه يمكننا مواصلة التعاون مع شركائنا الأتراك بثقة”، صرح بذلك متحدث ردا على استفسار أحد الصحافيين، مضيفا أنه مع ذلك، يلاحظ بقلق ارتفاع عدد المهاجرين الذين يصلون إلى لبسوس. في الوقت نفسه، أوضحت سلطات بروكسل أن هذا ليس سوى جزء ضئيل مما كان عليه الوضع قبل الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي وتركيا.


ويشير جيرالد كناوس، الذي شارك في صياغة اتفاقية الاتحاد الأوروبي وتركيا عام 2016، أيضا إلى هذه الأرقام ويؤكد أنه في أغسطس الماضي، وصل عدد من الناس إلى الجزر أكثر من أي شهر آخر منذ مارس 2016. ويوضح خبير الهجرة إلى أن العدد الإجمالي في عام 2019 يظل نصف ما كان عليه فقط في شهر فبراير 2016، وأنه رقم ضئيل إذا أخذنا في الاعتبار أن تركيا تأوي نحو 3.6 ملايين لاجئ سوري.


ويعتقد كناوس بأن فكرة أن تركيا قد فتحت حدودها بالفعل فكرة سخيفة، وأكد قائلا “إننا نتعامل حاليا مع نمو واضح في الأعداد، وهذه علامة يجب أخذها على محمل الجد”. ومع ذلك يرى الخبير الأوروبي أنه ما زال بالإمكان إنقاذ الاتفاقية من خلال إعداد خطة دعم عاجلة للسلطات اليونانية لهذا الغرض.