ثلاثية ملغومة ورئيس يتخلى عن شرعيته

إن اجتمع العراق وسوريا من خلال فريقين عسكريين للتنسيق في ما بينها، فذلك أمر يمكن تفهمه. فللبلدين حدود مشتركة شهدت ولا تزال تشهد حراكا من قبل جماعات مسلحة، يتم نسبها إلى تنظيم داعش الإرهابي.

ولكن حين يحضر ذلك اللقاء فريق إيراني ويكون اللقاء برعاية الرئيس السوري بشار الأسد فإن ذلك يعني أن سوريا والعراق قد سلما بالهيمنة العسكرية الإيرانية عليهما.

فسوريا التي لا تجمعها حدود مشتركة مع إيران هي ليست في حاجة إلى أن تناقش المشكلات التي تثيرها الجماعات الإرهابية على حدودها العراقية مع إيران. أما العراق فيمكنه أن يعالج مشكلات الجماعات الإرهابية في المناطق الحدودية مع إيران بعيدا عن دمشق.

إيران حاضرة في مكان لا علاقة لها به. ذلك حكم منطقي لا صلة له بواقع الحال الذي يعيشه البلدان، سوريا والعراق. فهما واقعيا محكومان بعلاقتهما بإيران. وهي علاقة ليست طوعية وغير مبنية على خيارات حرة. بل هي علاقة ملزمة، يشكل عنصر الاجبار جوهرها.

النظامان، السوري والعراقي، انفصلا نهائيا عن خياراتهما الحرة حين ارتبطا بالنظام الإيراني. وهما يدركان أن ذلك النظام لا يقيم وزنا لدولتيهما بسبب توجهه العقائدي القائم على أساس خضوع الدول الإسلامية كلها لحكم الولي الفقيه المقيم في طهران.

وكما يبدو فإن القمة العسكرية التي عُقدت في دمشق وضمت قادة الجيوش في إيران والعراق وسوريا كانت بمثابة اعتراف بتبعية سوريا والعراق عسكريا لإيران. وهو ما تحتاجه إيران في خضم صراعها مع الولايات المتحدة.

النظام الإيراني الذي يستعرض تفوقه العسكري في المنطقة هو في أمس الحاجة إلى أن يبعث برسالة إلى الداخل الإيراني مفادها أن ما أنفق من أموال الشعب الإيراني عبر أربعه عقود من الزمن لم يذهب هدرا. فها هما دولتان على الأقل في المنطقة تعلنان عن ولائهما المطلق له. وهما مستعدتان للوقوف معه عسكريا إذا ما تعرضت إيران لضربة أميركية.
مسرحية ركيكة المبنى كان من الممكن أن تمر بأفكارها الهزيلة لو لم يشارك فيها بشار الأسد الذي لم يحترم وظيفته رئيسا للجمهورية العربية السورية. لقد وضع الرجل نفسه في موضع لا يليق بوظيفته.

فإذا كان العراق بسبب ظروفه الخاصة قد وقع في قبضة الميليشيات الموالية لإيران وصار ينفذ ما يُملى عليه من قبل إيران فإن سوريا ينبغي أن لا تكون كذلك. فهي تتمتع بحماية روسية وهو ما يحصنها من الخضوع للإملاءات الإيرانية. 

بشار الأسد نفسه ما كان موجودا في منصبه لولا الحماية الروسية.

لذلك يبدو سلوك الرئيس السوري عبثيا. كما لو أنه يعبر عن شعور عميق باليأس. ذلك لأنه من غير المعقول أن الأسد لا يدرك أن إيران في طريقها إلى الانطواء على نفسها بسبب العقوبات.

لو أنه كان أقل يأسا لفرح بسبب انتهاء زمن إيران وحزب الله. فمن بعدهما ستعود إليه السلطة على الجزء الأكبر من الأراضي السورية. ولكن الرجل الذي كان يعد السوريين باستعادة سوريا يظهر استسلامه لحقيقة أن الإيرانيين يحكمون جزءا من بلده وهو موافق على ذلك.

ما لم يدركه بشار الأسد أنه حين يعترف بأن الإيرانيين يحكمون أجزاء من سوريا بموافقته فإنه بفقد شرعيته في حكم سوريا. ذلك لأن مسؤوليته تُقاس على سوريا الموحدة.     

ولأنه تخلى عن أجزاء من سوريا فإنه لم بعد رئيسا شرعيا.

القمة الثلاثية العسكرية التي انعقدت في دمشق كشفت عن حقيقة أن بشار الأسد قد فقد شرعيته في القيام بوظيفته. فهو لم يعد رئيسا لسوريا بسبب تواطؤه مع الاحتلال الإيراني.